إخوان الصفاء
54
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
سائر الأعداد من العشرات والمئات والألوف ، وما زاد بالغا ما بلغ . وكذلك أصول الخطّ أربعة ، وسائر الحروف منها يتركب . والكلام من الحروف يتركّب كما بيّنا فيما بعد ، فاعتبرها فإنك تجد ما قلنا حقّا صحيحا . ومن يريد أن يعرف كيف اخترع الباري ، جلّ ثناؤه ، الأشياء في العقل ، وكيف أوجدها في النفس ، وكيف صوّرها في الهيولى ، فليعتبر ما ذكرنا في هذا الفصل . واعلم يا أخي أن الباري ، جل ثناؤه ، أول شيء اخترعه وأبدعه من نور وحدانيّته جوهر بسيط يقال له العقل الفعّال ، كما أنشأ الاثنين من الواحد بالتكرار . ثم أنشأ النفس الكليّة الفلكيّة من نور العقل ، كما أنشأ الثلاثة بزيادة الواحد على الاثنين . ثم أنشأ الهيولى الأولى من حركة النفس ، كما أنشأ الأربعة بزيادة الواحد على الثلاثة . ثم أنشأ سائر الخلائق من الهيولى ورتّبها بتوسّط العقل والنفس ، كما أنشأ سائر العدد من الأربعة ، بإضافة ما قبلها إليها ، كما مثّلنا قبل . واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه بروح منه ، بأنك إذا تأمّلت ما ذكرنا من تركيب العدد من الواحد الذي قبل الاثنين ، ونشوئه منه ، وجدته من أدلّ الدليل على وحدانيّة الباري ، جل ثناؤه ، وكيفيّة اختراعه الأشياء وإبداعه لها . وذلك أن الواحد الذي قبل الاثنين ، وإن كان منه يتصوّر وجود العدد وتركيبه ، كما بيّنا قبل ، فهو لم يتغيّر عمّا كان عليه ، ولم يتجزّأ ؛ كذلك اللّه ، عزّ وجلّ ، وإن كان هو الذي اخترع الأشياء من نور وحدانيّته ، وأبدعها وأنشأها ، وبه قوامها وبقاؤها وتمامها وكمالها ، فهو لم يتغيّر عما كان عليه من الوحدانيّة قبل اختراعه وإبداعه لها ، كما بيّنا في رسالة المبادي العقليّة . فقد أنبأناك بما ذكرنا من أنّ نسبة الباري ، جلّ ثناؤه ، من الموجودات كنسبة الواحد من العدد ، وكما أن الواحد أصل العدد ومنشأه وأوله وآخره ، كذلك اللّه ، عزّ وجلّ ، هو علّة الأشياء ، وخالقها وأولها